الشوكاني
110
نيل الأوطار
عز وجل على رؤوس الخلائق حتى يخيره في حلل الايمان أيتهن شاء رواه أحمد والترمذي . الحديث حسنه الترمذي ، وقد رواه من طريق عباس بن محمد الدوري ، عن عبد الله ابن يزيد المقري ، عن سعيد بن أبي أيوب ، عن أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون ، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وعبد الرحيم بن ميمون قال النسائي : ليس به بأس ، وضعفه ابن معين . وسهل بن معاذ وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين ، وفيه استحباب الزهد في الملبوس وترك لبس حسن الثياب ورفيعها لقصد التواضع ، ولا شك أن لبس ما فيه جمال زائد من الثياب يجذب بعض الطباع إلى الزهو والخيلاء والكبر ، وقد كان هديه صلى الله عليه وآله وسلم كما قال الحافظ ابن القيم أن يلبس ما تيسر من اللباس : الصوف تارة ، والقطن أخرى ، والكتان تارة ، ولبس البرود اليمانية ، والبرد الأخضر ، ولبس الجبة والقباء والقميص ، إلى أن قال : فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهدا وتعبدا بإزائهم طائفة قابلوهم فلم يلبسوا إلا أشرف الثياب ، ولم يأكلوا إلا أطيب وألين الطعام ، فلم يروا لبس الخشن ولا أكله تكبرا وتجبرا ، وكلا الطائفتين مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولهذا قال بعض السلف : كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب : العالي والمنخفض . وفي السنن عن ابن عمر يرفعه : من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة إلى آخر كلامه . وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصفهاني بإسناد صحيح عن جابر بن أيوب قال : دخل الصلت بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جبة صوف وإزار صوف وعمامة صوف فاشمأز عنه محمد وقال : أظن أن أقواما يلبسون الصوف ويقولون قد لبسه عيسى ابن مريم ، وقد حدثني من لا أتهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد لبس الكتان والصوف والقطن وسنة نبينا أحق أن تتبع . ومقصود ابن سيرين من هذا أن قوما يرون أن لبس الصوف دائما أفضل من غيره فيتحرونه ويمنعون أنفسهم من غيره ، وكذلك يتحرون زيا واحدا من الملابس ، ويتحرون رسوما وأوضاعا وهيئات يرون الخروج عنها منكرا ، وليس المنكر إلا التقييد بها والمحافظة عليها وترك الخروج عنها . ( والحاصل ) أن الأعمال بالنيات ، فلبس المنخفض من الثياب تواضعا وكسرا لسورة النفس التي لا يؤمن عليها من التكبر إن لبست غالي الثياب من المقاصد الصالحة الموجبة للمثوبة من الله ، ولبس الغالي من الثياب عند الامن